رجاء بن حيوة بن جرول أبو المقدام الكندي الأزدي ..
وُلِدَ إمامنا رحمه الله في بيسان على أرض فلسطين أواخر حلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه .
وأدرك عهد الدولة الأموية الزاهر من خلافة معاوية وحتى بداية خلافة هشام بن عبد الملك ..
وكان مرافقا للخليفة سليمان بن عبد الملك .. ومستشارا أمينا له .. ومن بعده عمر بن عبد العزيز ..وكان من أهل الثقة عندهما .
وبلغ من ثقة عمر بن عبد العزيز به: أن طلب منه أن يكون في من يغسِّله، ويكفِّنه، ويدخل معه في قبره وقال له: إذا وضعتموني في قبري فحل العقدة، ثم انظر إلى وجهي•
قال رجاء فكنت فيمن غسَّله وكفَّنه ودخل قبره، فلما حللت العقدة نظرت إلى وجهه فإذا هو كالقراطيس•
وذكر الإمام ابن كثير –رحمه الله - في كتابه البداية والنهاية أنه كان ممن أوكل له الخليفة عبد الملك بن مروان بناء مسجد قبة الصخرة .. هو ويزيد بن سلام وهذا من وفرة الثقة في شخص ذلك الإمام العادل .
عبد الله بن بكر السهمي : حدثنا محمد بن ذكوان ، عن رجاء بن حيوة ، قال : كنت واقفا على باب سليمان إذ أتاني آت لم أره قبل ولا بعد ، فقال : يا رجاء ، إنك قد ابتُليت بهذا وابتُلي بك ، وفي قُرْبه الوَتَغ –الهلاك- فعليك بالمعروف وعون الضعيف ، يا رجاء ، من كانت له منزلة من سلطان ، فرفع حاجة ضعيف لا يستطيع رفعها ، لقي الله وقد شد قدميه للحساب بين يديه .
وكان معروف رحمه الله بالنصح للخلفاء وقوة مواقفه ومن هذه المواقف وأشهرها .. اختيار عمر بن عبد العزيز ليخلف سليمان بن عبد الملك
فلما مرض سليمان بن عبد الملك كتب عهده إلى ابنه أيوب- وهو غلام لم يبلغ- فقال له رجاء ما تصنع يا أمير المؤمنين؟ إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف الرجل الصالح• قال سليمان: كتاب أستخير اللّه فيه وأنظر، ولم أعزم عليه•
فمكث يوماً أو يومين ثم خرقه، وهنا اهتبل رجاء الفرصة، وبين لـ سليمان;أن الواجب يملي عليه أن يختار لأمة محمد من هو أكثرهم صلاحاً، وأشدهم حرصاً على إقامة العدل، وأقدرهم على إمضاء الأحكام، وتنفيذ الحدود•
وعمر بن عبد العزيز: هو الرجل الذي تجمعت فيه هذه الصفات فهو أحق بالخلافة وأهلها• ولسوف يكون استخلافه من عظمى الحسنات التي تسجل في صحيفة سليمان ولخير أراده الله تعالى بسليمان استجاب لمطلب رجاء ، وأملى عليه كتاباً باستخلاف عمر بن عبد العزيز، وأمر رجاء أن يأخذ البيعة لمن عهد له أمير المؤمنين من دون أن يسميه لهم• ثم يعلن اسمه بعد ذلك•
فلم يكن رحمه الله ليستغل قربه من خليفة المسلمين لمصالح شخصية ويدلنا على ذلك أنه لم يكن ليأبه بغضب أو كره أو حقد ممن يطمع في تلك الخلافة .. يروي لنا هذا الموقف إمامنا فيقول :
قال رجاء: فلما فاضت روحه سجيَّتْه بقطيفة خضراء وخرجت، فقلت لصاحب الشرطة كعب بن جابر اجمع أهل بيت أمير المؤمنين جميعاً، فلما اجتمعوا جاء رجاء وقال: بايعوا على ما أمر به أمير المؤمنين، ومن سمى في كتابه المختوم، فبايعوا•
فلما رأيت أني قد أحكمت الأمر قرأت عليهم الكتاب، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز نادى هشام: لا نبايعه أبداً، قال رجاء قلت: إذن واللّه أضرب عنقك، قم فبايع، وأخذت بضبعي عمر بن عبد العزيز فأجلسته على المنبر، وتمت البيعة 1-هـ•
لقد حفظ التاريخ لـ رجاء موقفه هذا، وما زال درساً للأجيال يعلمنا كيف يستطيع المخلصون أن يفرضوا وجودهم، ويؤثروا في توجيه الأمور•
وإلا فمن ذا الذي يستطيع أن يهدد هشام بن عبد الملك بضرب عنقه، وهو في مجلس قومه أهل السيادة والرياسة والبأس الشديد؟ إنه الحق يعلو بصاحبه، ويجعل الجميع يلقون السمع إليه، ويرضخون لصوته•
وبعد أن توفي عمر بن عبد العزيز تجنب رجاء أهل الرئاسة وملازمة الخلفاء وخاصة أن هشام بن عبد الملك كان في نفسه منه شيئا لتسببه في تأخير خلافته وإمضاءها لعمر بن عبدا لعزيز .
فعن ابن عون ، قال : قيل لرجاء : إنك كنت تأتي السلطان فتركتهم ! فقال : يكفيني الذي أدعهم له .
ومن قوته بالحق ذُكِرَ هذا الموقف في سيرته روى ابن عساكر بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: كنا مع رجاء بن حيوة ،فتذاكرنا شكر النعم، فقال: ما أحد يقوم بشكر نعمة، وخلفنا رجل على رأسه كساء، فكشف الكساء عن رأسه فقال: ولا أمير المؤمنين؟ قلنا: وما ذكر أمير المؤمنين ها هنا؟! إنما أمير المؤمنين رجل من الناس فغفلنا عنه فالتفت رجاء فلم يره، فقال: أتيتم من صاحب الكساء، ولكن إن دعيتم فاستحلفتم فاحلفوا•
فما علمنا إلا بحرسي قد أقبل، فقال: أجيبوا أمير المؤمنين، فأتينا باب هشام، فأذن لـ رجاء من بيننا، فلما دخل عليه قال: هيه يا رجاء يذكر أمير المؤمنين رجل من الناس• فقلت لم يكن ذلك• قال: آ للّه؟ قلت: آ للّه•
قال رجاء : فأمر بذلك الساعي فضرب سبعين سوطاً• وخرجت وهو متلوث في دمه، فقال: هذا وأنت رجاء بن حيوة ؟! قلت سبعون في ظهرك أهون من دم مؤمن•
قال ابن جابر: فكان رجاء بعد ذلك إذا جلس في مجلس التفت وقال: احذروا صاحب الكساء•
وروى ضمرة ، عن إبراهيم بن أبي عبلة ، قال : كنا نجلس إلى عطاء الخراساني ، فكان يدعو بعد الصبح بدعوات ، فغاب فتكلم رجل من المؤذنين ، فأنكر رجاء بن حيوة صوته، فقال : من هذا ؟ قال : أنا يا أبا المقدام . قال : اسكت؛ فإنا نكره أن نسمع الخير إلا من أهله
كان رحمه الله عالما تقيا محدثا
حدث رجاء عن معاذ بن جبل ، وأبي الدرداء ، وعبادة بن الصامت ، وطائفة. أرسل عن هؤلاء ، وعن غيرهم .
وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو ، ومعاوية ، وأبي سعيد الخدري ، وجابر ، وأبي أمامة الباهلي ، ومحمود بن الربيع ، وأم الدرداء ، وعبد الملك بن مروان ، وأبيه حيوة ، وأبي إدريس ، وخلق كثير .
حدث عنه مكحول ، والزهري ، وقتادة ، وعبد الملك بن عمير ، وإبراهيم بن أبي عبلة ، وابن عون ، وحميد الطويل ، وأشعث بن أبي الشعثاء ، ومحمد بن عجلان ، ومحمد بن جُحَادة ، وعروة بن رُوَيْم ، ورجاء بن أبي سلمة ، وثور بن يزيد ، وآخرون .
وصفه الإمام الذهبي فقال :
الإمام العدل، القدوة• الوزير العادل، الفقيه، من جلة التابعين، ولجده جرول صحبه على ما قيل .
قال ابن سعد كان ثقة ، عالما ، فاضلا ، كثير العلم .
وقال النسائي وغيره : ثقة .
قال مكحول : ما زلْتُ مضطلعا على من ناوأني حتى عاونهم عليَّ رجاء بن حيوة ; وذلك أنه كان سيد أهل الشام في أنفسهم .
قلت : كان ما بينهما فاسدا ، وما زال الأقران ينال بعضهم من بعض ، ومكحول ورجاء إمامان ، فلا يلتفت إلى قول أحد منهما في الآخر.
روى ابن شوذب ، عن مطر الورَّاق ، قال : ما رأيت شاميا أفضل من رجاء بن حيوة .
وقال ضمرة ، عن رجاء بن أبي سلمة : ما من رجل من أهل الشام أحب إلي أن أقتدي به من رجاء بن حيوة .
ويُروَى عن رجاء بن حيوة ، قال : من لم يؤاخِ إلا من لا عيب فيه قلَّ صديقه ، ومن لم يرضَ من صديقه إلا بالإخلاص له دام سخطه ، ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كَثُرَ عدوه .
قال ربيعة بن يزيد القصير : وقف عبد الملك بن مروان في قراءته ، فقال لرجاء بن حيوة : ألا فتحتَ عليّ .
وكان عبد الله بن عون إذا ذكر من يعجبه ، ذكر رجاء بن حيوة قال الأصمعي : سمعت ابن عون يقول : رأيت ثلاثة ما رأيت مثلهم : محمد بن سيرين بالعراق ، والقاسم بن محمد بالحجاز ، ورجاء بن حيوة بالشام .
روى الأنصاري ، عن ابن عون ، قال : كان إبراهيم والشعبي والحسن ، يأتون بالحديث على المعاني ، وكان القاسم وابن سيرين ورجاء يُعيدون الحديث على حروفه .
قال مسلمة بن عبد الملك أمير السرايا : برجاء بن حيوة وبأمثاله نُنْصَر
قيل في وفاته أنه تُوفي سنة 112 هـ بداية خلافة هشام بن عبد الملك .. رحمه الله رحمة واسعة وموتى المسلمين
نقلاً- من الصفوة الاسلاميه
تقبلوا تحيااااااااااااااااتي